بعد توجيه الناشط السياسي عبد الوهاب حسين دعوة لأقطاب المعارضة البحرينية المختلفة لعقد حلقة حوارية لرأب الصدع، وحصر الخلاف الدائر بين الفصائل المعارضة، أصبح لزاماً على المتابع للساحة السياسية أن يلحظ البون المتسع بين كل خط من الخطوط النشطة على الساحة، وحرياً به أن يقوّم أداء كل الفرق، ويلامس محاور الخطأ ويعترف بوجوده. حيث يشهد التاريخ البحريني أكبر فتق بين ثنايا جداريات خطابه السياسي المعارض بين فصائله المختلفة، وقد اعترف أحد الرموز بأن البحرين تعيش أكبر انقسام تاريخي في هذا الصدد، والذي يعزز هذا الرأي انشغال التيارات بخوض جدلية جر الشارع و سيادته، و تحديد توجهاته كلاً حسب منظوره الخاص. البعض يرى بأن المعارضة كقشر التفاح المتماسك، الذي يغري الناظرين بتماسكه ولمعانه، ولكنه اليوم قد ترهل على ما يبدو بإنكار الاختلاف، إلى أن وصل الحال للتراشق بين هذه الأطياف، فظاهرها متوافق وداخلها متصلب. ولهذا تأتي دعوة الأستاذ عبد الوهاب حسين للم شمل المعارضة من جديد، بالاعتراف أولاً بالحالة المتردية التي وصلت إليها قوى المعارضة، وانجرارها وراء من يريد تعطيل ملفات المواطن الهامة و التي يتطلع لها كافة الشعب البحريني. وهذه المهمة التي تحملها عبد الوهاب حسين لا تعني بالضرورة وجود نية لكل الفرق السياسية لحصر الخلاف الدائر، ولكن السعي وراء إيجاد صيغ ومناطق توافقية ترضي جميع الفصائل السياسية، أو دعونا نقول بأن هذا الحوار فرصة لفتح باب التحالفات الجديدة إن لم يكن تعزيزاً لها. الخلاف في رأي الكثيرين يتمحور في سعي كل فريق لسيادة الشارع عبر خطابات ورغبات خاصة، ورمي الآخر بحجر الفشل وغموض مشروعه المطروح للجمهور، بل ويعلق شماعة إخفاقه السياسي على الآخر، وعليه تضيع حقوق العامة بأيدي الخاصة! فعند الحديث عن التيار الأبرز في اللعبة السياسية (جمعية الوفاق الإسلامية) نجد تحركاته متباينة حد التناقض، فعندما يتنفس جمهوره الصعداء بعد ارتفاع خطابه السياسي، يحبس أنفاسه لهبوط حاد ومفاجئ في أدائه الرتيب. وهذا النمط المتقوس في عموده الفقري ، جعل جمهور التيار الذي راهن على أكبر كتلة نيابية في البرلمان ووصف البعض هذا النصر والفتح المبين كفتح مكة، حيث بقى الأنصار يراقبون تكسير الأصنام الفاسدة في الحكومة صنماً تلو صنم، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث! فردوس البرلمان ودفع الضرر –أحد شعارات الوفاق- لم يتحقق بعد، وهذا ما جعل قيادة الوفاق في حرج أمام أنصارها وحلفائها، فالأنصار لم يتنازلوا يوماً عن إيجاد حل توافقي حول ملفاتهم العالقة، لأن رموزهم روجوا كثيراً حيازتهم مفاتيح السياسة الداخلية والخارجية، وعقد التحالفات السياسية المنوعة، والمعرفه التامة بدهاليز المخطط الذي يقوده رموز التآمر على الشعب ، ليرسموا صورة ذهنية غير منصفة أمام الرأي العام بأن الأصل بـ "الحيازة" وليس بالعمل المنظم. أصبح هذا الفصيل مراقباً من قبل السلطة والأنصار، ويحاسبون على كل سجدة سهو سياسية تصدر منه، لأنهُ يتحرك ضمن المشهد السياسي الرسمي. أما شركاءه فقد امتعضوا من التفرد في أخذ القرار، وتصادموا مؤخراً لرفع بعض الشعارات التي انطلقلت من فصيله الديني، واعتبرها البعض دعوة لفض الشراكة مع الحلفاء، ليزداد الاحتقان سوءاً، ولتبدأ سلسلة من التراشقات التي لا طائل منها، وكل طرف يشد الثوب لناحيته، حتى بدأ أثر التمزق بادياً على الشركاء، فالأول يصر على أن التحالف أثبت جدارته ويطالب الطرف الآخر قبول لعبة الكراسي البرلمانية، بينما الآخر يرى بأن اللعبة لا تستحق التناحر والتفرد ولكنهم تعالوا على شركائهم وثملوا بنصر الفوز البرلماني. وفي الجانب الآخر، نجد فريقاً معارضاً خرج من رحم التيار الأول (حركة حق)، استلهم من ملاحم ((الهيئة الوطنية)) برنامجاً مستنسخاً أراد تصديره للشارع، لإحداث توازن كما يأمل، حيث يرى بأن وضع كل البيض في سلة واحدة أشبه بالانتحار وتوهينٌ متعمدٌ للمنهجيات المخالفة. وفي ذات المحور، نجد البعض لا يعترف بولادته الشرعية، وراح يشنع في غاياته وأهدافه، وأنه فسق عن الثوب الديني تماماً كما تفسق الرطبة رغم وجود أكثر من عباءة دينية بين رموز خطه، واعتراف الحكومة بوجوده كلاعب سياسي خارج القانون دليل على فرضه أجندة وإن كانت خاصة كما يراها البعض. مشكلته تكمن في السرعة التي بدأ بها مشروعه، فالعريضة "الأممية" التي طرحها في الشارع أذهلت البعض، إلا أن البعض يتهمه بعدم مقدرته على قراءة الواقع الدولي، فالتحالفات الدولية والسياسة الخارجية لبعض الدول، و التي تسيطر على دار الأمم المتحدة قد تغيرت، و لن تلتفت للأزمة الداخلية عبر عرائض شعبية، بل عبر مناصب رسمية داخل السلطة، وإن الصوت يجب أن يكون من داخل اللعبة السياسية الرسمية. التيار ذاته متهم بتأليب الشارع على الحكومة، وعلى رموز تياره السابق، ورغم بياناته بضرورة تحكيم المنطق والعقل وعقد الحوارات التوافقية إلا أن كل الأطراف مشغولة بتحسين الصورة التي رسمتها أمام أعين الأنصار. الطرف الليبرالي في اللعبة السياسية أشبه بالعائد بخفي حنين بعد انتهاء الانتخابات النيابية 2006، فلا الحليف روى ظمأه بكأس نيابي، ولا خطابه روى أنصاره بعد فشله من دخول الموقع الرسمي في السلطة. ويرى بعض المحللين أن الأزمة التي حدثت مؤخراً بين التيار العلماني وبين الشركاء الإسلاميين مفتلعة من قبل التيار الليبرالي، وإن كان مصدرها قوى إسلامية، فكف الأبصار عن هذا التيار وانفراد الحلفاء في اللعبة السياسية أبعد الأنظار عن تيارهم وأصبحوا خارج بؤرة الضوء، ولهذا كانت ردة فعل القوى الليبرالية قوية إزاء شعار سقوط العلمانية الذي لم يكن جديداً، وليقدموا رسالة للشركاء بأنهم مازالوا موجودين ضمن الإطار العام. التيار نفسه دخل في صراع تبرير الاخفاق السياسي مع التيار الإسلامي، وراح البعض يكتب مذكراته في فترة الانتفاضة التسعينية، ويسرد فصول تفرد بعض القوى الإسلامية، ويعزز مكانة القوى الليبرالية الذكية، ما دعا البعض لرد هذه الشبهات، وأخذ الأمر منحى سجال ليبرالي إسلامي صرف. ولهذا الجو المحتقن سياسياً، كان للناشط السياسي عبد الوهاب حسين أن يطلق صلاة التوافق والمصالحة لأقطاب المعارضة، ليكون مدفعاً لإمساك الخلاف، إدراكاً منه بوصول حال المعارضة البحرينية لحضيض العمل السياسي، وبذلك يكسر حاجز صمته الذي طال، ويقدم ورقة تصالحية مشتركة بين تيارات مختلفة اختلافاً أيدلوجياً. ويبدي بعض المراقبين تفاؤلهم بأن حراكه السياسي الأخير ما هو إلا مقدمة لعودته للساحة، بيد أنهم متشائمون من ناتج حوار الدائرة المستديرة، حيث يلخصون أقصى ما يمكن تحقيقه هو الجلوس نفسه. 25-9-2007 
.
.
الجمعة, 15 فبراير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








